نواذيبو، نشيد الموج ورائحة السمك

بقلم : أحمد شوقي عفيفي
داعية إسلامي وكاتب بنغالي
خلال سنوات دراستي في موريتانيا، بلد المليون شاعر عربي، حطت قدماي في هذه المدينة عام 2018. واليوم، بعد انقضاء ثماني سنوات، أعود إليها بالكلمة، لأكتب عنها من جديد، لا كمسافر عابر، بل كذاكرة تستعيد المكان وتستنطق ظلاله.
على الحافة التي يتصافح عندها الرمل والماء، وتذوب فيها قسوة الصحراء في رحابة الأفق، تقف نواذيبو كأنها بيت شعري طويل، لا يقرأ دفعة واحدة، بل ينصت إليه مع هدير الموج، ويستدل على معناه من رائحة السمك الصاعدة مع الفجر. ليست نواذيبو مدينة عابرة على خارطة، بل معنى متجدد، وحكاية تكتب كل يوم بحبر البحر، وتراجعها الرياح قبل أن تسلمها للذاكرة.
ولدت نواذيبو بين نقيضين لا يلتقيان إلا ليصنعا المعجزة: صحراء تدرب أبناءها على الصبر، وبحر يفتح لهم أبواب المغامرة والرزق. من هذا التناقض تشكلت روح المدينة، صلبة كالرمل، رحبة كالأفق، لا تغريها السهولة ولا ترهبها القسوة. هنا تعلم الإنسان أن يكون يقظا، وأن يصادق المدى، وأن يحسن الإصغاء إلى نداء البحر حين ينادي، وإلى صمت الصحراء حين يعلم.
في نواذيبو، البحر ليس منظرا يلتقط له، بل ذاكرة تعاش. هو الأب الذي علم أبناءه أسماء الرياح، وميول التيارات، وأسرار المد والجزر. هو الرفيق الذي يهب بقدر ما يختبر، ويكرم بقدر ما يطالب بالاحترام. في مجالس الصيادين، تروى الحكايات كما تروى الأنساب، حكايات عن موج عنيد، وعن ليال طويلة، وعن فجر عاد محملا بالخير بعد انتظار.
الميناء في نواذيبو ليس منشأة إسمنتية، بل قلب نابض. عند أرصفته تتلاقى الأقدار: سفن قادمة من بعيد، وقوارب صغيرة تعرف الشاطئ كما تعرف الأكف خطوطها. هناك، تشد الحبال وتفرغ الشباك، وتتعانق اللغات، وتوقع المدينة يومها على دفتر العالم. الميناء مسرح مفتوح، أبطاله عمال يكدحون بصمت، وصيادون يراهنون على الفجر، وتجار يقرؤون حركة السوق كما تقرأ النجوم.
الصيد في نواذيبو ليس قطاعا اقتصاديا فحسب، بل فلسفة عيش. هو امتحان يومي للصبر، ودرس في التواضع أمام اتساع البحر. مع أول خيط للضوء، تعود القوارب وقد امتلأت الشباك بخيرات الأطلسي، فتنبض الأسواق، وتنتشر رائحة السمك كرسالة حياة. تلك الرائحة ليست عابرة، إنها توقيع المدينة، ودليل رزقها، وصوتها الخفي الذي يقول: هنا يعمل الناس، وهنا يصادق البحر.
في أسواق نواذيبو، ترى المدينة على حقيقتها. تختلط الأصوات واللهجات، وتتشابك الأيدي في بيع وشراء، وتظهر العلاقة الحميمة بين الإنسان والبحر. هنا تقاس الخبرة بالعين، ويعرف الصادق من طريقة الإمساك بالسمكة، ويحترم القديم لأنه يحمل ذاكرة المهنة. السوق درس مفتوح في الاجتماع البشري، حيث تتجاور البساطة والطموح، ويصير العمل لغة مشتركة.
جذبت نواذيبو، بما لها من موقع ورزق، بشرا من جهات شتى. جاءها الموريتاني من عمق البلاد، وجاءها العامل من وراء الحدود، فصاغوا معا نسيجا اجتماعيا متنوعا. لم يكن هذا التنوع عبئا، بل ثراء، إذ تعلمت المدينة أن تحسن التعايش، وأن تجعل من الاختلاف مصدر قوة. هنا، لا يلغي الجديد القديم، بل يجاوره، ولا يبتلع الوافد المحلي، بل يتعلم لغته.
لنواذيبو إيقاعها الخاص، صباح ينهض على وعد البحر، ونهار يعمل بلا شكوى، ومساء يهدأ على تأمل الغروب. حين تميل الشمس إلى الأطلسي، يجلس الصيادون على الشاطئ، يتفقدون الشباك، ويستعيدون اليوم، كأنهم يراجعون نصا قبل نشره. في هذا الهدوء، تتجلى حكمة المكان: العمل دون ضجيج، والانتظار دون يأس.
لم تبق نواذيبو أسيرة صورتها التقليدية. فقد بدأت تشهد تحولات في التعليم والتخطيط، ونشأ جيل ينظر إلى البحر بعين العلم إلى جانب عين الرزق. صار الحديث عن الاستدامة جزءا من الوعي العام، وعن حماية الثروة البحرية ضرورة لا ترفأ. هكذا تتقدم المدينة بخطى هادئة، حريصة على ألا تخون البحر الذي منحها كل شيء.
غير أن الطريق ليس معبدا. فالتغيرات البيئية، وضغوط الاستغلال، وتقلبات السوق، كلها اختبارات قاسية. تقف نواذيبو اليوم أمام سؤال جوهري: كيف توازن بين التنمية والحماية؟ كيف تبقي نشيد الموج حيا دون أن تخفت نبرته؟ أسئلة لا تجاب بخطاب، بل بسياسات، وبوعي جماعي يدرك أن البحر إن تعب، تعبت المدينة.
المستقبل في نواذيبو ليس قطيعة مع الماضي، بل امتداد واع له. موقع استراتيجي، وثروة بحرية، وإنسان اعتاد الكفاح، عناصر كفيلة بأن تصنع مدينة رائدة إذا أحسنت الاختيار. هنا، يمكن للميناء أن يكون بوابة إقليمية، وللصيد أن يصير صناعة مستدامة، وللتنوع أن يتحول إلى قوة ناعمة.
نواذيبو ليست مجرد مدينة ساحلية، بل قصيدة مفتوحة على الأفق. هي نشيد الموج حين يعلو، ورائحة السمك حين تعلن الحياة، وحكمة الصحراء حين تعلم الصبر. مدينة كتبتها الجغرافيا، ووقعها الإنسان، وما زال البحر يراجع سطورها كل يوم. ومن يصغي جيدا، يسمعها تقول: هنا نعيش على الوعد، ونبني من المدى وطنا.